
في مشهد غير مألوف على الساحة اللبنانية، خرجت شاحنات تابعة للجيش اللبناني من بعض المخيمات الفلسطينية جنوب البلاد محمّلة بالأسلحة الخفيفة والقذائف، في خطوة وصفت بأنها أكبر عملية جمع سلاح منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية.
هذه الخطوة، التي جرت بتنسيق مباشر مع السلطة الفلسطينية وبدعم دولي، لم تكن مجرد عملية تقنية لإزالة مخزونات قديمة من السلاح، بل بدت كأنها حدث سياسي بامتياز.
فهي تطوي صفحة تاريخية معقدة ارتبطت بعقود من الصراعات الداخلية والتوترات الأمنية التي كانت المخيمات الفلسطينية مسرحًا لها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا التطور هو: هل يملك لبنان القدرة على تكرار التجربة مع حزب الله؟ الحزب الذي يحتفظ بترسانة عسكرية تفوق إمكانيات الدولة اللبنانية نفسها، والذي يعتبر ملف سلاحه خطا أحمر غير قابل للنقاش.
السلاح الفلسطيني.. من "ذريعة المقاومة" إلى عبء أمني
الخبير العسكري والاستراتيجي جورج نادر، في حديثه للتاسعة على سكاي نيوز عربية، أشار بوضوح إلى أن السلاح الفلسطيني في المخيمات كان لعقود طويلة عبئا مزدوجا: على الدولة اللبنانية من جهة، وعلى الفلسطينيين أنفسهم من جهة ثانية.
فالمنظمات الفلسطينية كانت تبرر حيازة السلاح بحماية المخيمات من أي اعتداء إسرائيلي، لكن نادر شدد على أن هذه الحجة غير واقعية، لأن لا السلاح الفلسطيني ولا غيره قادر على صد إسرائيل.
بل إن هذا السلاح، بحسب قوله، كان السبب في إدخال لبنان في دوامة الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 واستمرت حتى 1990، وأسهم في تقويض سيادة الدولة اللبنانية، كما ألقى بظلاله الثقيلة على الفلسطينيين كلاجئين يعيشون في ظروف قاسية.
ويعتبر نادر أن ما جرى في صور من تسليم فصائل منظمة التحرير جزءا من أسلحتها هو خطوة إيجابية، لكنها ليست كاملة، لأن السلاح الثقيل وراجمات الصواريخ لم يُسلم بعد. الأهم أن بعض الفصائل المتشددة – ولا سيما في مخيم عين الحلوة – أعلنت بوضوح رفضها التخلي عن ترسانتها.
عقدة عين الحلوة.. ملاذ المسلحين والفصائل المتشددة
مخيم عين الحلوة، الواقع شرق مدينة صيدا ويُعد أكبر مخيم فلسطيني في لبنان، يمثل العقدة الأصعب في ملف السلاح الفلسطيني.
يضم المخيم مجموعات مسلحة متطرفة مثل أنصار الله وفتح الإسلام وغيرها، إضافة إلى عدد كبير من الخارجين عن القانون اللبناني أو الأجانب الهاربين من العدالة.
نادر أوضح أن هذه التنظيمات لا ترى في تسليم سلاحها خيارا واردا، بل تربط وجودها باستمرار حمل السلاح. وبالتالي، فإن أي محاولة للتفاوض معها لن تصل إلى نتيجة حقيقية، ما يضع الدولة اللبنانية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما اقتحام المخيم بالقوة أو الإبقاء على حالة الاستثناء التي تُضعف سلطة الدولة.
هل يسقط سلاح الفلسطينيين ذريعة حزب الله؟
برأي نادر، فإن نجاح الدولة اللبنانية في استلام كل السلاح الفلسطيني، بما فيه ذلك الموجود في عين الحلوة، ستكون له تبعات تتجاوز حدود المخيمات. إذ إن هذا التطور يسقط آخر الحجج التي يستند إليها حزب الله لتبرير استمرار احتفاظه بسلاحه، والمتمثلة في القول بأن الفلسطينيين ما زالوا مسلحين.
ويذهب نادر أبعد من ذلك، معتبرًا أن حزب الله نفسه شجّع بعض الفصائل الفلسطينية على رفض تسليم سلاحها، لكي تبقى هذه الورقة بيده كورقة ضغط وذريعة سياسية. لكن إذا استُكمل نزع السلاح الفلسطيني، فلن يبقى أمام الحزب سوى مواجهة الاستحقاق الأصعب: وضع سلاحه تحت سلطة الدولة.
سلاح حزب الله.. معضلة داخلية وأداة إيرانية
ملف حزب الله يختلف جذريًا عن ملف المخيمات الفلسطينية. فالحزب لا يملك مجرد أسلحة فردية أو متوسطة، بل ترسانة كاملة تشمل صواريخ متطورة ومخازن ذخيرة موزعة على الأراضي اللبنانية.
الأهم أن قرار الحزب في هذا الملف ليس لبنانيًا صرفًا. فبحسب نادر، سلاح حزب الله هو ورقة تفاوض إيرانية على الطاولة مع الولايات المتحدة. وبالتالي، أي نقاش داخلي بشأن نزع السلاح سيُفهم مباشرة كإعلان مواجهة بين الدولة اللبنانية والحزب، بل وبين الدولة والإرادة الإيرانية التي تستخدم حزب الله كذراع إقليمي.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل سلاح الحزب
يرى نادر أن أمام حزب الله ثلاثة سيناريوهات محتملة في المرحلة المقبلة:
الخيار السياسي الطوعي: أن يقرأ الحزب المتغيرات الإقليمية والدولية، ويستنتج أنه لم يعد له أي غطاء عربي أو دولي، فيسلم سلاحه للجيش اللبناني طوعًا ويخرج من المعمعة بمخرج مشرف.
خيار المواجهة: أن يرفض الحزب أي قرار حكومي لحصر السلاح، فيواجه الدولة والمجتمع اللبناني، ما قد يفتح الباب لصدام داخلي خطير.
الخيار الإسرائيلي: وهو الأسوأ، أن يتدخل الجيش الإسرائيلي لفرض نزع السلاح بالقوة، كما فعل مرارا في تاريخه العسكري. هذا السيناريو كارثي لأنه يهدد بجر لبنان إلى حرب مدمرة جديدة، لكنه يبقى احتمالا مطروحا إذا عجزت المؤسسات اللبنانية عن اتخاذ القرار وتنفيذه.
خطة الجيش اللبناني.. بين الطموح والتحديات
بحسب ما كشف نادر، فإن الجيش اللبناني بصدد تقديم خطة مفصلة للحكومة حول آلية جمع السلاح وحصره. هذه الخطة تستند إلى تقديرات استخباراتية حول مواقع ومستودعات سلاح حزب الله، وتقوم على مراحل جغرافية تشمل الجنوب والشمال وباقي المناطق.
الجيش، وفق نادر، قدّر أن جمع السلاح في مناطق محددة مثل جنوب الليطاني يمكن أن يستغرق أسبوعين، على أن يمتد البرنامج لأسابيع عدة في مختلف المناطق. لكن نجاح الخطة يعتمد على عامل أساسي: قرار سياسي واضح من الحكومة اللبنانية، مدعوم بتوافق داخلي عريض.
معركة السيادة.. القرار بيد من؟
المعضلة الجوهرية لا تكمن في الجانب العسكري بقدر ما ترتبط بالقرار السياسي. فإذا اجتمعت الحكومة وصوت أغلبية وزرائها على خطة حصر السلاح وسلمت التنفيذ للجيش، فإن الدولة ستكون أمام اختبار حاسم لمصداقيتها. أما إذا اتخذت القرار ولم تستطع تنفيذه، فذلك سيشكل انهيارًا كاملًا لهيبة الدولة، وربما يفتح الباب لتدخلات خارجية.
نادر شدد على أن سيادة لبنان وكرامته على المحك: "إذا لم تستطع الدولة أن تنفذ قرارها بنزع السلاح، فستأتي إسرائيل وتفرضه بالقوة. وهذا يعني سقوط الدولة اللبنانية كاملة".
اختبار تاريخي للدولة اللبنانية
ما جرى في صور من تسليم جزء من السلاح الفلسطيني ليس مجرد خطوة تقنية، بل هو بداية اختبار تاريخي للبنان. فإذا استطاعت الدولة استكمال المهمة حتى عين الحلوة، فإنها تضع حزب الله أمام معضلة كبرى: إما أن يسلم سلاحه طوعًا أو أن يواجه قرار الدولة والمجتمع الدولي.
لكن إذا فشلت الدولة في تنفيذ قرارها، فستكون قد وجهت ضربة قاسية لمفهوم السيادة، وربما فتحت الباب لتدخل خارجي يفرض نزع السلاح بطريقة أكثر كلفة ودموية.
في النهاية، يبدو أن لبنان يقف اليوم أمام أخطر امتحان منذ نهاية الحرب الأهلية: إما أن يثبت قدرته على حصر السلاح بيد الدولة واستعادة قراره السيادي، أو أن يبقى أسيرًا لاستثناءات تكرّس الضعف وتفتح الباب على احتمالات الانفجار الداخلي أو المواجهة مع إسرائيل.
سكاي نيوز عربية - أبوظبي
The post لبنان.. هل يسقط سلاح الفلسطينيين ذريعة حزب الله؟ appeared first on LebanonFiles.
للمزيد من التفاصيل: إضغط هنا