
بعد زيارة الوفد الأميركي برئاسة توم براك إلى بيروت، تباينت المواقف اللبنانية حيال النتائج المُترتّبة على هذه المُهمّة الدبلوماسية. فمن جهة، عبّر رئيس مجلس النواب نبيه برّي عن خيبة "أمل" من غياب أي جديد ملموس، مُشيرًا إلى أنّ الأمور عادت إلى التعقيد مُجدّدًا. ومن جهة أخرى، استثمر "حزب الله" اللحظة عبر تصريح المعاون السياسي لأمينه العام، حسين الخليل، الذي صعّد خطابه ضدّ واشنطن مُشكّكًا بجدوى رهان الدولة على الوساطة الأميركية. وإذا كان تصريح برّي أقرب إلى شكوى سياسية، فإنّ تصريح الخليل اتّخذ طابعًا تعبويًا وتحريضيًّا: رئيس المجلس يشتكي، و "حزب الله" يُهاجم.
لكن لا بُدّ من الإشارة إلى التنسيق الزمني بين هجوم الخليل وتصريحات برّي. إذ يبدو أنّ "حزب الله" يعتمد الخطّ الأقصى، أي "لا خضوع"، فيما يضبط برّي موقفه ليُظهر أنه ما زال مُتحالفًا مع "المقاومة". ومن الواضح أنّه ينسجم تكتيكيًا مع رواية "حزب الله" في لحظة ضغط قصوى، لكن من دون أن يقطع صلته بالوساطة الأميركية بشكل كامل. فخطابه يميل إلى التظلّم أكثر منه إلى العداء الصريح.
بالنتيجة، يُمكن فهم موقف برّي في سياق تفاوضي: فهو يُوجّه رسالة إلى الأميركيين مفادها أنه إذا لم يفوا بوعودهم، فلن يكون قادرًا على تبرير استمرار التعاون، بل سيجد نفسه أقرب إلى خطاب "حزب الله". وانطلاقًا من دوره التقليدي كسياسي براغماتي، غالبًا ما يتبنّى برّي مثل هذا الموقف عندما يشعر بأنه مُحاصر أو حين يتعيّن عليه إعادة تأكيد ولائه لمحور "المقاومة". ولا يبدو هذا السلوك مرتبطًا بالأيديولوجيا بقدر ما يعكس حِرصَه على وضع نفسه في موقع لا غنى عنه، مُذكّرًا الخارج بأن تهميشه يُضعف جدوى أي اتفاق أو صفقة في لبنان، التي لا يُمكن أن تمرّ إلا عبره، لا من دونه.
كما يسعى برّي إلى الدفاع عن نفسه داخليًا في مواجهة ضغوط "حزب الله"، مُطمئنًا إياه إلى أن "قناته الأميركية" ليست مدخلًا للخيانة. فالتعامل مع الولايات المتحدة لم يوفّر له مكاسب سياسية، خصوصًا أنّ الوفد الأميركي لم يحمل أي جديد من إسرائيل، في دلالة على أنّ واشنطن لا تريد إظهار أي "تنازل" قد يُحسب لمصلحة "حزب الله".
إنّ شكوى برّي لا تبدو موقفًا سياسيًا بقدر ما تُقارب اعترافًا مُشفّرًا بأن مكانته كمُحاور مُفضّل لواشنطن قد تآكلت، بالتوازي مع تراجع دوره كـ"حارس البوابة" (Gatekeeper) بالنسبة لها في لبنان. فبعد أن قدّم نفسه لِعقود كوسيط وطني وقناة لا غنى عنها للدبلوماسية الأميركية، يظهر اليوم أنّه أُبعِد تدريجيًا عبر قنوات بديلة، أبرزها رئاسة الجمهورية والحكومة والمؤسسة العسكرية.
لكن من مفاعيل تقييم برّي، إضعاف موقف الحكومة ورئاسة الجمهورية أمام الداخل والخارج، بعدما كشف أن الدولة اللبنانية لم تحصد شيئًا من زيارة الوفد الأميركي، ولم تنجح في تحقيق أي خرق في الملف الحدودي. فعلى المستوى السياسي الإقليمي، كان يُعوَّل على مهمة توم براك لإحياء مسار تهدئة أو التوصّل إلى تفاهم حول الحدود أو بعض التسهيلات الاقتصادية، إلى أن أظهرت ردّة فعل برّي أن الزيارة انتهت عند جدار مسدود، وما لم يُشر إليه هو سبب عودة براك خالي الوفاض، ودور "حزب الله" في هذا الفشل.
أما تصريح حسين الخليل، فيُشكّل مثالًا واضحًا على ترسيخ إطار السردية التي يعتمدها "الحزب" في ظلّ الأزمة. فهو يجمع بين خطاب "المقاومة" المناهض لما يُسمّيه المؤامرة الأميركية - الإسرائيلية، وبين نزع الشرعية عن الخصوم المحليين، وصولًا إلى الاستيلاء على الرموز الوطنية (الجيش، اتفاق الطائف، السيادة) ضمن حزمة خطابية تهدف إلى تعزيز شرعية "حزب الله"، وفي الوقت نفسه تشويه سمعة مؤسسات الدولة والدبلوماسية الأميركية بشكل استباقي.
بمعنى آخر، يُقدّم حسين الخليل سردية مفادها أن "المقاومة" وحدها هي الضامن للحقوق، وأن أي رهان على واشنطن محكوم بالفشل. وإلى جانب ذلك، يعمل على تحوير النقاش عبر اتّهام الولايات المتحدة بالسعي إلى "تحريض الجيش على المقاومة"، مُستبقًا بذلك جدل نزع السلاح. فمُجرّد طرح فكرة تكليف الجيش بمواجهة "حزب الله"، حتى على المستوى الكلامي، يجعله، وفق هذا المنطق، وكيلًا للولايات المتحدة وليس طرفًا لبنانيًا.
أما التداعيات الاستراتيجية لبيان الخليل فتمثّلت في الضربة الخطابية الاستباقية التي أطلقها "حزب الله" بشأن ملف السلاح. فالمسألة لم تُطرح بصيغة دفاعية، بل كجزء من حرب سردية هجومية تضمن إبقاء السلاح خارج النقاش السياسي. إذ لا يكتفي "الحزب" برفض شرعية المطالب الداعية إلى نزعه، بل يعكس الاتهام اعتقادًا بأن من يطالبون بنزع السلاح يقوّضون السيادة، ويهدّدون بحرب أهلية، ويخونون "اتفاق الطائف". وهكذا تُصاغ معادلة خطابية جامدة تجعل أي طرف سياسي يطرح مسألة السلاح وكأنه يقف في صف القوى الأجنبية ضد "مقاومة الشعب".
صحيح أن استراتيجية "حزب الله" الخطابية بشأن نزع السلاح تحاكي أنماطًا رأيناها في حركات ميليشياوية أخرى، إلا أن هناك فارقًا جوهريًا: ففي حين قبل الجيش الجمهوري الأيرلندي والقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) في نهاية المطاف بتنازلات خطابية، مثل "نزع السلاح" أو "إلقاء السلاح"، فإن ترسانة "حزب الله" ليست مُجرّد أداة، بل جزء لا يتجزأ من هويته وشرعيته. وهذا يجعل مقاومته الخطابية لِنزع السلاح أكثر رسوخًا، وبالتالي أصعب في التغلّب عليها مقارنة بمُعظم الحالات الأخرى.
بالتالي، بدا المشهد اللبناني وكأنه أمام حلقة جديدة من التعقيد، بعدما تحوّلت زيارة الوفد الأميركي من فرصة مُحتملة إلى عامل تصعيد داخلي وتصلّب سياسي. فقد كشف برّي عن العجز، فيما استثمر "حزب الله" هذه الحالة لتأكيد سرديته، لتصبح النتيجة مزيدًا من الانسداد السياسي وارتفاع منسوب التوتر، بدلًا من أي انفراج مُرتقب.
د. جوسلين البستاني - نداء الوطن
The post لماذ تراجعت مكانة بري كمحاور مفضّل للأميركيين؟ appeared first on LebanonFiles.
للمزيد من التفاصيل: إضغط هنا