
تعدّدت السيناريوهات حول آلية تنفيذ قرار «حصر السلاح» منذ اتخاذه في 7 آب الجاري، قبل أن تقدّم قيادة الجيش تصورها للعملية. ولم تحل مجموعة التوضيحات التي صدرت عن مرجعيات عسكرية وحكومية وسياسية، دون ما يحاكي التنبؤ بـ «الفتنة الداخلية» او «المواجهة» بين الجيش و»حزب الله» على وقع التهويل بـ «الحرب الأهلية» او «إنقسام» الجيش. وهو ما عزز الاقتناع بأنّ من يسعى إلى أي من هذه الخيارات سيفشل، فليس هناك أي من الظروف المؤدية إليها. وهذه بعض المؤشرات.
ليس من الصعب إجراء الفرز بين من يسعى لتسويق مجموعة من الخيارات والسيناريوهات السلبية التي تحاكي الانفجار الداخلي أو الفتنة او المواجهة لتغطية «سماواته بأبواته»، ومن عبّر عن اطمئنانه إلى استحالة بلوغ هذه المحطات، عدا عمّن حذّر ولا يزال من السعي إلى أي منها، وخصوصاً إن كان على اقتناع بأنّه لا يمكن النفاذ بمخططاته من خارجها. فاللبنانيون لديهم ما يكفي من التجارب الحديثة والقديمة التي ما زالوا يعانون من تداعياتها إلى اليوم، وزادت منها نتائج الحروب الأخيرة التي عرفتها المنطقة واقتيد لبنان اليها في شكل من الأشكال.
ليس في ما سبق أي إشارة إلى ما لا يمكن تجنّبه عند وقوع المحظور، إن بقيت المواقف على ما هي عليه من جمود وتشنج وعدم مراعاة مصلحة اللبنانيين جميعاً، وتقديم أي مصلحة إقليمية او دولية على مصلحة الوطن الصغير، او عند وقف، وربما إعاقة، المساعي المبذولة من أجل مشروع يؤدي إلى قيام الدولة المفقودة منذ فترة طويلة، لتمارس سلطاتها بمواصفاتها الدستورية المكتملة بمؤسساتها السيادية والدستورية والأمنية والقضائية المختلفة، لتدخل البلاد مرحلة جديدة طال انتظارها بفعل تنامي الدويلات على أراضيها ووجود اكثر من منطقة عسكرية منذ 25 عاماً.
على هذه الخلفيات يتطلّع المراقبون إلى ما يجري اليوم في الساحة اللبنانية على انّه من مظاهر الخروج من الأنفاق التي دخلتها البلاد، وهناك من يهدّد بنسف المداخل إن وجدت وإقفال مخارجها. فالعراقيل المتعددة التي تُنصب أمام الجهود الحكومية لا تقف عند موضوع الحؤول دون تنفيذ القرار بـ«حصر السلاح» فحسب، إنما تهدّد ما بُني على أمل الاستقرار واستعادة الموقع الذي افتقده لبنان لعقود، توزعت فيها الوصايات الإقليمية والدولية إلى درجة نمت فيها الدويلات وانقاد اللبنانيون إلى حروب لم يعرفوا شبيهاً لها من قبل.
ولذلك كله، يتطلّع المراقبون راهناً إلى ما يمكن ان يتحقق من تفاهم 27 تشرين الثاني الماضي، بعد التعديلات التي طاولته في شكله ومضمونه وتوقيت المراحل التي تحدث عنها بصيغة جمعت كثيراً من الملاحظات اللبنانية والأميركية، وتلك التي أُدخلت اليها بوساطات خليجية وعربية واوروبية، شاركت الجانب الأميركي في البحث عن مخارج للأزمة. فلا تقف الامور عند ما يُقال إنّها ورقة اميركية او غيرها، وخصوصاً إن كان أصحاب التهمة هم من استجلبوا الوسيط الأميركي، إلى درجة اقترح أحدهم في مرحلة من المراحل إهداءه الهوية اللبنانية عقب ترسيم المنطقة الاقتصادية بين لبنان إسرائيل، قبل ان يتكفل بإنهاء الحرب في لبنان بعد سقوط مشاريع الفصل بين الجبهة الشمالية مع لبنان وما يجري في وسط اسرائيل، وتحديداً في غلاف غزة ومحيطه، وصولاً إلى الضفة الغربية. ولذلك بدت الامور اكثر صعوبة بعدما لم يتمكن الجانب اللبناني من فرض رؤيته وتفسيره للتفاهم، فغلبه الجانب الإسرائيلي متسلحاً بالدعم الدولي غير المنقطع، بعدما نجح في تصوير الحرب على أنّها «وجودية»، في وقت لم يبق أي أثر لمظاهر الحياة في غزة وجنوب لبنان. وبعدها أسقط النظام السوري ودمّر جيش سوريا واحتل المنطقة العازلة في جنوبها وبات يهدّد دمشق ومحيطها حتى النطاق المحيط بالقصر الجمهوري ووزارة الدفاع والمنشآت العسكرية الجاري تدميرها، بعد أن أخرج معظم مطاراتها العسكرية من الخدمة ودمّر سلاحها الجوي والبحري كما المدرعات وشبكات الدفاع الجوي إلى ان افتقدتها سوريا نهائياً.
ولذلك كله، يتطلّع المراقبون إلى ما هو مطروح من مخارج، فرأوا انّ ما واجهه الفريق الأميركي في بيروت أخيراً لا يعدو كونه مرحلة قد لا تطول إن تكثفت المساعي على خط آخر. ذلك انّ معظم المسؤولين الأميركيين، ومنهم من كان في عداد الوفد، تيقن من انّ القرار حول مصير السلاح لم يعد في الضاحية الجنوبية لبيروت، وهو بالتأكيد ليس في عين التينة، وقد يكون تمّ تفعيله من طهران ليُبنى الرهان مجدداً على ما يمكن ان تؤدي اليه المفاوضات المباشرة وغير المباشرة مع إيران، وما يمكن أن تقود إليه بحرمانها على الأقل من التواصل مع أذرعها بعد إبعادها قسراً عن سوريا واجوائها وحصر علاقتها بالعراق في نطاق هو الأضيق، وإبعادها عن اليمن ومناطق مختلفة من العالم.
فعلى المستوى اللبناني، بات واضحاً للقريب والبعيد، انّ قرار حصر السلاح لم يعد موضع نقاش، لتتّجه الأنظار إلى آلية تنفيذه والمراحل المحتملة لتطبيقه مهما طال الزمن. فالقرار في شكله وهدفه الكبير لا يتنكّر له أحد من طرفي النزاع في الداخل والخارج، وانّ المعالجات الجارية لا بدّ لها ان تصل إلى مرحلة ينفّذ فيها طوعاً وبإرادة مَن يتحكّم بمصير السلاح اياً كانت هويته، وهو أمر بات موضع نقاش في مهلة مؤجّلة. فربط رئيس الجمهورية قبل أيام تنفيذ ما تقرّر بموافقة سورية وإسرائيلية وفّر المنفذ للمأزق القائم بكل أرجحية. وبات على رئيس مجلس النواب نبيه بري ان يبحث عن آلية لتدوير الزوايا، وهو خير من تكلّف بالمهمّة بصفتيه، أولهما أحد ركني «الثنائية الشيعية» من جهة، ورئيسا لمجلس نواب منح ثقته لحكومة وفق بيانها الوزاري بما احتواه بهذا الخصوص، وهي خطوة تلت انتخابه العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، وما عليه سوى استكمال الطريق.
وفي كل الحالات، فإنّ هناك من يعتقد انّ بشائر تسليم كل سلاح غير شرعي انطلقت من السلاح الفلسطيني إلى اي فصيل انتمى، فالتجارب التي استخف بها البعض من أولى محطات مخيم برج البراجنة لم يطل الزمن عليهم ليتيقنوا من جدّية الخطوة، بعد تسليم أسلحة المخيمات الجنوبية قبل العودة إلى برج البراجنة أمس. وهي عملية لم ولن تُنفّذ بقرار داخلي فحسب. فالرعاة الدوليون للخطة كثر، وهم يعتقدون أنّها البروفات لبقية الأسلحة مهما طال الزمن، وهي لن تُنفّذ بالقوة لفقدان من دعا إلى مثل هذه الآلية على المستويات اللبنانية والإقليمية والدولية كافة. ولذلك لن يتحول القرار امراً واقعاً الّا بقرار طوعي يتخذه من يتحكّم بمصير سلاح الحزب لا أكثر ولا أقل، وإنّ السعي إلى تجييش الشارع اللبناني له سقوفه الطبيعية التي لن تُتَجاوز إلى ما يمسّ السلم الاهلي في لبنان، ويحول دون الفتنة بوجهها المختلفة مع بقية المكونات اللبنانية التي لا تملك اي سلاح، ليكون هناك طرف ثانٍ يترجم معاني الفتنة واشكالها. كما انّ اي مواجهة مع الجيش غير واردة مهما علا التنظير السياسي والمواقف التي تحضّ على انقسام الجيش. فتركيبته وهيكليته في حالة أمان لم يعشها من قبل، وأي رهان سيسقط بالضربة القاضية.
وإلى تلك المرحلة، ستتعدّد الروايات والسيناريوهات إلى ان يترجم المخارج منها خطاب الرئيس بري في ذكرى تغييب الامام موسى الصدر غداً، ومجلس الوزراء في جلسته المقبلة المخصصة للبحث في خطة الجيش. وكل ذلك يجري على قاعدة انّ كلاً من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لم ولن ينتظرا شهادة من احد، لا من مرتكب ولا من متخلّف عن واجباته ولا ممن يعتقد انّ له دوراً أكبر مما هو. فما رُسم للبنان والمنطقة سيتمّ تنفيذه وربما ببطء. ولكن لا عودة إلى الوراء ولو بشبر واحد.
جورج شاهين - الجمهورية
The post مَن طرح "المواجهة" مع السلاح؟ وهذه هي المخارج المحتملة! appeared first on LebanonFiles.
للمزيد من التفاصيل: إضغط هنا