
غزة - خاص قدس الإخبارية: الواحدة ظهرا، شمس أغسطس\آب حارقة كعادتها، وتطبيق الطقس على الهاتف النقال يقول إن الحرارة بلغت 32 والدرجة المحسوسة تزيد عنها بدرجتين، داخل خيمة مهترئة نتصبب عرقا مع أسرة فقدت بيتها في الأسبوع الأول من الحرب، لنسمع من أفرادها حديثهم عن ثلاثة فصول صيف عاشوها في جحيم الخيام، حالهم حال عشرات الآلاف من السكان ممن يعيشون في خيام لا تقي حرا ولا بردا، بل تزيد الطقس سوءا، خاصة أن أغلبها مهترئة بسبب طول مدة النزوح والانتقال بها من مكان لآخر.
معاناتها أكبر
تقول الجدة الأكبر في هذه الأسرة، سناء عاشور: "أعيش مع أبنائي وزوجاتهم وأطفالهم، عشرون شخصا نتكدس في ثلاث خيام مهترئة، نعاني في جوانب كثيرة، وفيما يتعلق بدرجة الحرارة يظن البعض أننا نعاني في الشتاء فقط بسبب الأمطار، لكن الحقيقة أن الصيف قاتل داخل الخيمة".
وتضيف: "الخيمة في الصيف تتحول لجحيم، ونوع قماشها يساهم في رفع حرارتها، وهذا ما أثبتته لنا التجربة، فكل خيمة من خيامنا خامتها تختلف عن الأخرى، واحدة منها صنعناها من أغطية شتوية وأكياس دقيق فارغة".
وتتابع: "العدد الكبير داخل الخيمة يعني حرارة أعلى، ناهيك عن وجود أشخاص يعانون معاناة خاصة، كما حصل مع حفيداي".
اثنان من أحفاد عاشور أُصيبا في الصيف الأول من الحرب، فكانا كمن يتقلب على مقلاة، أحدهما كانت إصابته على شكل حروق طالت أجزاء كبيرة من جسده، والآخر أُصيب بكسور احتاجت تركيب "بلاتين"، ومعلوم أن البلاتين يتأثر بدرجة الحرارة بدرجة مؤذية، فيكون ساخنا في الصيف وباردا في الشتاء.
وتوضح في حديثها لـ "شبكة قدس" : "يعاني الأطفال بمختلف أعمارهم، بالذات من الأمراض الجلدية المختلفة والتسلخات بسبب عدم توفر حفاضات جيدة، والحرارة العالية والتعرق يزيدان المشكلة".
وتبين أن للنساء معاناة خاصة تتمثل في ارتداء الحجاب أغلب ساعات اليوم، فلا أماكن مناسبة للحصول على قدر كافٍ من الخصوصية، وإن وجدن خياما خاصة بهن يصعب إحكام إغلاقها بسبب الحرارة، غالبا يفضلن البقاء بالحجاب لفتح أبوابها ونوافذها.
وتشير عاشور إلى أن الحجاب حين يجتمع باقي التفاصيل تصبح معاناة المرأة أكبر من غيرها، فهي ترتدي الحجاب وتجلس تحت الشمس وأمام موقد الحطب، ما يعني زيادة مسببات التعرق، وبالتالي زيادة آلام الحساسية التي أصابتها كأغلب أهل القطاع.
لا مقارنة
تختصر صابرين عوض حديثها عن الخيمة في الصيف بوصفها: "صندوق نار".
وتقول: "الشمس لا ترحم، وقماش الخيمة يرفع الحرارة داخلها، نشعر أننا نذوب فيها، خاصة مع عدم وجود كهرباء ووسائل تبريد، ومن ثم يكثر الذباب بصورة لا يمكن تحملها"، مضيفة: "نهرب من الخيمة للمساحة الصغيرة المتاحة حولها، لكن الشمس تلاحقنا بأشعتها المباشرة".
نتائج ارتفاع الحرارة داخل الخيمة عديدة، من أصعبها بالنسبة لها: "الأمراض الجلدية التي تجبرنا على التردد على الأطباء طيلة شهور الصيف، ومع ذلك لا نجد لها علاجا، يعاني أبنائي الثلاثة من حبوب حمراء تغطي أجسادهم بالكامل ولا تقضي عليها الأدوية المتوفرة، فلا أجد إلا تحميمهم باستمرار للتخفيف عنهم".
ومن نتائجه أيضا، صعوبة الاحتفاظ بالطعام، ما يزيد من وجبة الغداء يفسد، وهذه مشكلة كبيرة في ظروف المجاعة، لذا تضع الطعام في عبوة داخل وعاء به مياه، ولكن هذا الحل لا ينفع دوما.
صابرين التي تنقلت في أماكن نزوحها بين بيوت وخيام، ترى أن لا مقارنة بينهما، فمهما كانت الحرارة عالية داخل البيوت لا تصل لما هو عليه الحال في الخيمة، وتزيد معاناتها هذه الأيام بعدما خضعت لعملية قيصرية ولم تجد سبيلا للراحة بسبب مرض طفلتها التي لم تكمل شهرها الأول بعد، خاصة مع تزامن الولادة مع موجة الحر الأخيرة التي أرهقت أهل الخيام، كما تروي لـ "شبكة قدس".
خارج الخيمة نهارا
تجربة أحمد عزام مع الخيمة طويلة بطول الحرب تقريبا، يحدّثنا عن تفاصيل الحياة اليومية فيها خلال الصيف: "كل شيء ساخن، مياه الشرب، والطعام، وكل مقتنياتنا، هواتفنا النقالة نخشى أن تنفجر أحيانا إذا لم نخرجها من الخيمة".
ويضيف: "حتى إن تأخرنا في النوم، تجبرنا الحرارة والذباب على الاستيقاظ باكرا، ولا يمكننا البقاء في الخيمة أغلب ساعات النهار، فهي تكون أشبه بالفرن حتى تبدأ الشمس بالانكسار".
ويتابع: "أنا محظوظ بوجود خيمتي في قطعة أرض خاصة بي أستطيع أن أتحرك فيها بحرية، وأغطي أجزاء منها بالشوادر لتخفف الحرارة، لكن جيراني نصبوا خيامهم على الرصيف، يضطرون للبقاء في الشارع تحت أشعة الشمس حتى منتصف النهار تقريبا، يجلسون ويتحدثون ويطبخون على الحطب ويتناولون الطعام في الشارع".
يضطر عزام لشراء مياه شرب للاستحمام بمقابل مادي، فهو وبعض أبنائه يعانون بشدة من المشاكل الجلدية التي تزيدها المياه المالحة سوءا، وهي مشاكل تسببها درجات الحرارة العالية، وقد أنفق الكثير من الأموال لعلاجهم منها بلا جدوى.
ويلفت إلى أن لهذه المشاكل الجلدية بُعد آخر غير الألم والتكلفة، فابنته الكبرى (16 عاما) كانت معاناتها النفسية أكبر من الجسدية، إذ أخذت الحبوب مظهرا سيئا للغاية في وجهها ويديها.
وعن نار الحطب في الصيف، يوضح: "الجلوس لساعات أمام موقد الحطب في الصيف مأساة متكاملة تتكرر عدة مرات في اليوم، وأصعبها وقت إعداد وجبة الغداء حيث تكون تحت شمس الظهيرة".
ويتطرق للحديث عن معاناة زوجته الصيف الماضي: "رزقني الله بطفلة في يونيو من العام الماضي، خضعت زوجتي لعملية قيصرية، ثم عادت للخيمة، مكان العملية التهب، والرضيعة تأذت جدا".
ويشير لـ "شبكة قدس" إلى أن كل شيء يتغير في الخيمة، حتى ما اعتاد عليه الناس طيلة سنوات حياتهم، فهو كان يسهر الليل ويتأخر في الاستيقاظ، أما الآن فلا يجد بدا من النوم مبكرا والاستيقاظ مبكرا بسبب الحرارة وانقطاع الكهرباء وظروف الحياة الصعبة، وكان اعتاد الصوم في أغلب أيام الاثنين والخميس منذ خمس سنوات، وأيام الست من شوال، والتسعة من ذي الحجة، أما في الخيمة فبالكاد يتمكن من صوم يوم عرفة.
يبين عزام أن الخبرة علّمت ساكني الخيام طرقا للتحايل على بعض تفاصيل الأزمة، مثل وضع قِرب المياه في حفرة في الرمل لتبريدها، مؤكدا: "وجود طرق محدودة لا يعني حل المشكلة، فهي أكبر من أن تُحل، لا يُنهي معاناتنا سوى بيوت جيدة كالتي كنّا نسكنها قبل الحرب".
للمزيد من التفاصيل: إضغط هنا