تفعيل قانون العقوبات البديلة بالمغرب.. ارتياح حقوقي وتحديات قانونية

الرباط- مع دخول قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ في المحاكم المغربية يوم 22 أغسطس/آب المنصرم، شرعت المحاكم في إصدار أحكام بتحويل العقوبات الحبسية في قضايا الجنح إلى عقوبات بديلة، في خطوة تهدف إلى التخفيف من الاكتظاظ في السجون وتعزيز العدالة الإصلاحية.
وجاء تنفيذ القانون بعد عام من مصادقة مجلس النواب عليه في 24 يونيو/حزيران من العام الماضي ونشره في الجريدة الرسمية في 22 أغسطس/آب، إلا أن تطبيقه الفعلي تأخر إلى حين صدور القرارات والمراسيم التطبيقية المكملة.
وقد عرف القانون العقوبات البديلة بأنها "تلك التي يحكم بها بديلا للعقوبات السالبة للحرية في الجنح التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها 5 أعوام حبسا نافذا".
غير أن القانون استثنى المحكومين في قضايا تتعلق بـ: أمن الدولة، الإرهاب، الاختلاس، الغدر، الرشوة، استغلال النفوذ، تبديد الأموال العمومية، غسل الأموال، الجرائم العسكرية، الاتجار الدولي في المخدرات والمؤثرات العقلية والأعضاء البشرية، وكذلك الاستغلال الجنسي للقاصرين أو الأشخاص في وضعية إعاقة.

توحيد المعايير
قبل الشروع في تطبيق القانون، أصدر المجلس الأعلى للسلطة القضائية دورية وجهها إلى رؤساء المحاكم تهدف إلى توحيد المعايير والإجراءات، مع التركيز على الجوانب العملية الواجب مراعاتها خلال المرحلة الأولى من التطبيق.
وشددت الدورية على ضرورة تخصيص قاض مختص بالعقوبات البديلة في كل محكمة، للتنسيق مع باقي المتدخلين، لا سيما إدارة السجون. كما دعت المسؤولين القضائيين إلى رفع أي صعوبات أو إشكالات عملية تواجههم إلى المجلس لدراستها ومعالجتها.
أكد نوفل البعمري، رئيس المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمحامي بهيئة تطوان، للجزيرة نت أن قانون العقوبات البديلة يعد من أهم القوانين التي صادق عليها البرلمان، موضحا أن العقوبات تشمل: السوار الإلكتروني، الأعمال الاجتماعية لفائدة المصلحة العامة، والغرامات اليومية بدل أيام السجن.
إعلانوأضاف أن صدور القانون بالتزامن مع مذكرات استرشادية لتوجيه القضاة أعطى إشارة إيجابية على جاهزية الجهاز القضائي لتطبيقه بشكل سريع، وهو ما انعكس على ارتياح المواطنين الذين لمسوا تحولا في طبيعة العقوبات، مع الحفاظ على الحرية التي تعد الأصل.
من جانبه، أوضح مصطفى الناوي، محام بهيئة الدار البيضاء، للجزيرة نت، أن نظام العقوبات البديلة، الذي يفضل تسميته بـ"بدائل العقوبة والاعتقال"، يمثل خطوة مهمة في مسار العدالة الجنائية بالمملكة، رغم تأخره عن الإصلاح الشامل للقانون الجنائي. ورأى الناوي أن القانون يعكس إعلاء قيمة الحرية والكرامة.
أما عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، فاعتبر -في حديثه مع الجزيرة نت- أن القانون يشكل محطة فارقة في إصلاح العدالة الجنائية، مشيرا إلى أن نجاح تطبيقه يعتمد على قدرة مختلف الفاعلين على تجاوز التحديات الواقعية والموضوعية.

ملفات العقوبات البديلة
خلال الأسبوع الأول من التطبيق، أصدرت محاكم المملكة أحكاما بتحويل العقوبات الحبسية إلى بديلة في 44 ملفا قضائيا شمل 45 متهما. وأظهرت بيانات حصلت عليها الجزيرة نت أن محكمة طنجة تصدرت القائمة بـ17 قضية، تلتها محكمة مراكش بـ10، وتازة 4، تطوان 3، وسوق السبت ولاد النمة قضيتان، في حين سجلت محاكم أكادير وتنغير وشفشاون ووزان وبني ملال والفقيه بن صالح والعيون والداخلة كل منها ملفا واحدا.
وفيما يخص نوع العقوبات البديلة التي أصدرتها المحاكم في هذه الفترة فقد توزعت كما يلي:
- استبدال العقوبة الحبسية الأصلية بغرامة مالية تتراوح ما بين 100 و500 درهم (ما بين 10 و50 دولارا) عن كل يوم حبس: 19 قضية.
- استبدال العقوبة الحبسية بالعمل لفائدة المنفعة العامة: 15 قضية.
- التقدم لمركز الشرطة أو الدرك ليوم أو يومين في الأسبوع: 6 قضايا.
- متابعة الدراسة في التكوين المهني والعمل لأجل المنفعة العامة: قضيتان.
- إصلاح الأضرار الناجمة عن الجريمة والتقدم لمركز الشرطة: قضية واحدة.
- المراقبة الإلكترونية بالسوار: قضية واحدة.
- العلاج من الإدمان في أحد المراكز الاستشفائية: قضية واحدة.
وتنوعت القضايا التي طبقت فيها العقوبات البديلة لتشمل: خيانة الأمانة، التزوير، العنف ضد الأصول، الضرب والجرح بالسلاح، استهلاك المخدرات، السكر العلني، العنف ضد المرأة، حيازة السلاح، النصب، وإهانة موظف حكومي. وأشعرت المحاكم المحكوم عليهم بأن أي تقصير في تنفيذ الالتزامات سيؤدي إلى تنفيذ العقوبة الحبسية الأصلية.
تحديات التطبيق
وشدد مصطفى الناوي على أن التطبيق السليم للقانون مرتبط بالقضاة، خاصة قضاة الحكم وقضاة تنفيذ العقوبات، مع توافر الإمكانيات والوسائل اللازمة. كما أكد على دور المحامين ومنظمات المجتمع المدني في نشر الوعي، تنظيم برامج تكوينية، متابعة العمل القضائي، وتقديم تقارير تحليلية عن العقوبات البديلة.
إعلانوأشار نوفل البعمري إلى أن تقييم التطبيق المبكر لا يمكن أن يكون شاملا، مشددا على أن الممارسة العملية ستكشف عن إشكالات قانونية وثقافية وموضوعية، بما يشمل كيفية تعامل أطراف الخصومة مع العقوبات البديلة، وضمان حقوقهم المادية والمعنوية، والحفاظ على التوازن بين مختلف الأطراف أمام القضاء لتعزيز الأمن القضائي والإنصاف.
كما لفت عبد الإله الخضري إلى التحديات اللوجستية والبشرية، مثل ضرورة توفير مراكز المراقبة الإلكترونية، وكوادر مؤهلة للإشراف على الخدمات العامة، وقضاة قادرين على متابعة التنفيذ بكفاءة.
وأكد أن نجاح العقوبات البديلة يعتمد على برامج التأهيل والتكوين والإدماج المهني والاجتماعي للمحكوم عليهم، وتحقيق التوازن بين الردع وحماية المجتمع من جهة وبين الإصلاح وإعادة الإدماج من جهة أخرى.